صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

مقدمة 64

الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية ( المقدمة العربية )

إن غفلة مفكري الشرق الأوسط وخاصة فضلاء المدارس الإسلامية عن مسيرة الفلسفة والعرفان في إيران بعد الخواجة لتبعث على الأسف ، خاصة وأن معظم المباحث التي جرت هي حول العقائد الدينية والحقائق الإسلامية . إن الفلسفة الإسلامية لم تتوقف عند الخواجة ، بل أن أصول وقواعد حكمة المشاء والإشراق قد اندمجت فيما بينها ، ودفع سطوع القواعد العرفانية الإسلامية بأتباع المشّاء والإشراق إلى التأثر بمسلك العرفان ، وكانت لهذه المسيرة نقلة نوعية وحركة سريعة في عهد ملا صدرا مما أدى إلى حصول تغيير كلي في المباني الفلسفية وظهورها من الخفاء إلى العلن ما دفع بطلاب المعرفة والحكمة إلى الإنصهار في هذه الطريقة واكتشفوا حقيقة أنهم في غنى عن سائر المسالك والمشارب ، ومن هنا جاء فتح المفكرين لفصل جديد في الحكمة الإلهية . ومع بروز صدر المتألهين يمكن القول أن علوم الحكمة الإلهية في الشرق قد تطورت وتمت بميزان تطور ونمو العلوم الطبيعية في الغرب . أما منزلة ابن رشد في عالم الفلسفة ، فمما لا شك فيه أن ابن رشد كان رجلا صاحب ذوق واستعداد ، لكنه على عكس تصورات علماء الغرب وبعض المفكرين العرب لم يكن راسخا ومضطلعا في فلسفة المشائية ، أي المسلك الذي يدافع عنه . إن ذوق ابن رشد ذوق فلسفي ، ومن خلاله استنتج أن الغزالي منحرف والشيخ الرئيس غير منحرف ، ولكن ذلك لا يكفي لأن يكون المرء فيلسوفا . لقد وقع ابن رشد في أخطاء عجيبة غريبة في بعض المشاكل العلمية ، وصدرت منه كلمات كثيرة خارجة عن نطاق الصواب ، وفي تحقيقاته في بعض المسائل كان يخرج من واد إلى واد آخر ، وكان يعتمد الخطابة بدل الاستدلال ونحن في هذه المقدمة لسنا في صدد تحليل ونقد عقائد وأفكار ابن رشد . لقد لجأ ابن رشد بسبب عدم إحاطته بأفكار فلاسفة الإشراق وعدم إدراكه لأفكار الأفلاطونيين المتقدمين والمتأخرين لجأ إلى تخطئة الفارابي الذي كان يميل في المباحث العقلية إلى الذوقيات والعرفانيات ، وكان ينعته بالمتكلم ، في حين أن الشيخ الرئيس كان يجلّ أرسطو والفارابي فقط ويعتبرهما من جملة الأشخاص الذين لم يقولوا جزافا قط . ومن المسلم به أن المرء الملمّ بمباني فلسفة المشائين ومسلكهم ليقع في حيرة من أمره إذا ما أراد أن يقارن بين ابن رشد الذي يدافع عن الشيخ في مقابل الغزالي وبين الخواجة مقرر ومحرر كلام الشيخ ، فالخواجة كلما كان متعادلا في الإدراكات كان ابن رشد على عكسه تماما . نحن لا نتوقع المزيد من أولئك الذين صنفوا الغزالي في عداد الفلاسفة الإسلاميين كالفارابي وابن سينا ، إن الغزالي لا يلتزم